الشيخ محمد رشيد رضا

36

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

واستغفاره فتاب اللّه عليهم ، و ( ثانيهما ) الذين حاروا في أمرهم ولم يعتذروا للرسول ( ص ) لأنهم لا عذر لهم ، وارجأوا توبتهم فأرجأ اللّه الحكم القطعي في أمرهم للحكمة التي يأتي بيانها قريبا . قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وغيرهم : هم الثلاثة الذين خلفوا أي عن التوبة ، وهم مرارة بن الربيع وكعب بن مالك وهلال بن أمية ، قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد كسلا وميلا إلى الدعة والحظ وطيب الثمار والظلال لا شكا ونفاقا ، فكانت طائفة ربطوا أنفسهم بالسواري كما فعل أبو لبابة وأصحابه ، وطائفة لم يفعلوا ذلك وهم هؤلاء الثلاثة المذكورون ، فنزلت توبة أولئك قبل توبة هؤلاء ، وارجيء هؤلاء عن التوبة حتى نزلت آيتا التوبة الآتيتين ( 117 و 118 ) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ أي وثم أناس آخرون من المتخلفين مؤخرون لحكم اللّه في أمرهم ، اولأ مره لرسوله بما يعاملهم به . قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ( مرجون ) بحذف الهمزة للتخفيف ، والآخرون ( مرجؤن ) بالهمزة على الأصل ، فهو اسم مفعول من أرجأه إذا أخره ، وقيل هما لغتان . رجاه يرجوه وأرجأه يرجئه . وروي أن هذا الإرجاء كان 50 يوما إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ أي ابهم الامر عليهم وعلى الناس ، لا يدرون ما ينزل فيهم ، هل تنصح توبتهم فيتوب اللّه عليهم كما تاب على الذين اعترفوا بذنوبهم ، أم يحكم بعذابهم في الدنيا والآخرة كما حكم على الخالفين من المنافقين ؟ فالترديد بين الامرين هو بالنسبة إلى الناس لا إلى اللّه عز وجل ، وحكمة إبهام امر هؤلاء عليهم إثارة الهم والخوف في قلوبهم لتصح توبتهم ، وحكمة إبهامه على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين تركهم مكلتهم ومخالطتهم ، تربية للفريقين على ما يجب في أمثالهم من الذين يؤثرون الراحة ونعمة العيش ، على طاعة اللّه ورسوله والجهاد في سبيله لاعلاء كلمة الحق والعدل ، ودفع عدوان الكفار عن المؤمنين ، حتى ما كان من امرهم ما بينه في الآية ( 118 ) وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ عليم بحال عباده وتربيهم ويزكيهم ويصلح حال أفرادهم ومجموعهم ، حكيم فيما يشرعه لهم من